جديد المنتدى
جديد قسم الحلويات





المواضيع المميزة خصآئص التسجيـل خـواص هامـة رفـع الصـور أقســام عـامة
العودة   منتدي حلاوتهم > > >
القرآن الكريم كل ما يخص القرآن الكريم من تجويد وتفسير وكتابة وحفظ وتحميل واستماع
     
إضافة رد  المفضلة
  تفسير وخواطر الشعراوى لسورة النحل وبالتجويد الصفحة رقم (272)
  • 1510 مشاهده - 0 رد
    أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
      رقم المشاركة : ( 1 )
    قديم 09-06-2017
    الصورة الرمزية عطر الزهور
    عطر الزهور
    .::| مديرة الاقسام المنزلية |::.
    ( لا ناصر إلا الله ولا معين إلا الله )
    عطر الزهور غير متواجد حالياً
    صاحبة الموضوع
    بيانات العضوة
    رقـــم العضويـــة : 30
    تــاريخ التسجيـل : Feb 2013
    العــــــــمـــــــــر : 34
    الــــــدولـــــــــــة : مصر ام الدنيا
    الــــــمدينـــــــــة : فى الدنيا
    الحالة الاجتماعية : بنوتة
    الـــــوظيفـــــــــة : مرزوعه فى البيت
    المشاركـــــــــات : 38,938 [+]
    الأصـــــدقـــــــــاء : 57
    عــدد الـــنقــــــاط : 10527
    تفسير وخواطر الشعراوى لسورة النحل وبالتجويد الصفحة رقم (272) - صاحبة المشاركة njma-monthعطر الزهور


    تفسير وخواطر الشعراوى لسورة النحل وبالتجويد الصفحة رقم (272)

    تفسير وخواطر الشعراوى لسورة النحل وبالتجويد الصفحة (272)

    تفسير وخواطر الشعراوى لسورة النحل وبالتجويد الصفحة (272).سورة النحل:
    .تفسير الآية رقم(43)و(44)و(45)و(4 6)و(47)و(48)و(49)و(5 0)و(51)و(52)و(53)و(5 4)

    تفسير وخواطر الشعراوى لسورة النحل وبالتجويد الصفحة (272)
    تفسير وخواطر الشعراوى لسورة النحل وبالتجويد الصفحة (272).تفسير الآية رقم (43):

    {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43)}
    وقد اعترض المعاندون من الكفار على كون الرسول بشراً. وقالوا: إذا أراد الله أن يرسل رسولاً فينبغي أن يكون مَلَكاً فقالوا: {وَلَوْ شَآءَ الله لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً..} [المؤمنون: 24].
    وكأنهم استقلُّوا الرسالة عن طريق بشر؛ وهذا أيضاً من غباء الكفر وحماقة الكافرين؛ لأن الرسول حين يُبلّغ رسالة الله تقع على عاتقه مسئوليتان: مسئولية البلاغ بالعلم، ومسئولية التطبيق بالعمل ونموذجية السلوك.. فيأمر بالصلاة ويُصلِّي، وبالزكاة ويُزكِّي، وبالصبر ويصبر، فليس البلاغ بالقول فقط، لا بل بالسلوك العمليّ النموذجيّ.
    ولذلك كانت السيدة عائشة رضي الله عنها تقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان خلقه القرآن».
    وكان قرآناً يمشي على الأرض، والمعنى: كان تطبيقاً كاملاً للمنهج الذي جاء به من الحق تبارك وتعالى.
    ويقول تعالى في حقِّه صلى الله عليه وسلم: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ..} [الأحزاب: 21].
    فكيف نتصور أن يكون الرسول مَلَكاً؟ وكيف يقوم بهذه الرسالة بين البشر؟ قد يؤدي الملك مهمة البلاغ، ولكن كيف يُؤدِّي مهمة القدوة والتطبيق العملي النموذجي؟ كيف ونحن نعلم أن الملائكة خَلْق جُبِلوا على طاعة الله: {لاَّ يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].
    ومن أين تأتيه منافذ الشهرة وهو لا يأكل ولا يشرب ولا يتناسل؟
    فلو جاء مَلَك برسالة السماء، وأراد أن ينهى قومه عن إحدى المعاصي، ماذا نتوقع؟ نتوقع أن يقول قائلهم: لا.. لا أستطيع ذلك، فأنت ملَك ذو طبيعة علوية تستطيع ترْك هذا الفعل، أما أنا فلا أستطيع.
    إذن: طبيعة الأُسْوة تقتضي أن يكون الرسول بشراً، حتى إذا ما أمر كان هو أول المؤتمرين، وإذا ما نهى كان هو أول المنتهين.
    ومن هنا كان من امتنان الله على العرب، ومن فضله عليهم أنْ بعثَ فيهم رسولاً من أنفسهم: {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ...} [التوبة: 128].
    فهو أولاً من أنفسكم، وهذه تعطيه المباشرة، ثم هو بشر، ومن العرب وليس من أمة أعجمية.. بل من بيئتكم، ومن نفس بلدكم مكة ومن قريش؛ ذلك لتكونوا على علم كامل بتاريخه وأخلاقه وسلوكه، تعرفون حركاته وسكناته، وقد كنتم تعترفون له بالصدق والأمانة، وتأتمنونه على كل غَال ونفيس لديكم لعلمكم بأمانته، فكيف تكفرون به الآن وتتهمونه بالكذب؟!
    لذلك رَدَّ عليهم الحق تبارك وتعالى في آية أخرى فقال: {وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى إِلاَّ أَن قالوا أَبَعَثَ الله بَشَراً رَّسُولاً} [الإسراء: 94].
    فالذي صَدَّكم عن الإيمان به كَوْنه بشراً!!
    ثم نأخذ على هؤلاء مأخذاً آخر؛ لأنهم تنازلوا عن دعواهم هذه بأنْ يأتيَ الرسول من الملائكة وقالوا: {لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ} [الزخرف: 31].
    فهذا تردُّد عجيب من الكفار، وعدم ثبات على رأي.
    مجرد لَجَاجة وإنكار، وقديماً قالوا: إنْ كنتَ كذوباً فكُنْ ذَكُوراً.
    ويرد عليهم القرآن: {قُل لَوْ كَانَ فِي الأرض ملائكة يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السمآء مَلَكاً رَّسُولاً} [الإسراء: 95].
    فلو كان في الأرض ملائكة لنزَّلنا لهم ملكاً حتى تتحقَّق الأُسْوة.
    إذن: لابد في القدوة من اتحاد الجنس.. ولنضرب لذلك مثلاً: هَبْ أنك رأيتَ أسداً يثور ويجول في الغابة مثلاً يفترس كُلَّ ما أمامه، ولا يستطيع أحد أنْ يتعرَّض له.. هل تفكر ساعتها أن تصير أسداً؟ لا.. إنما لو رأيتَ فارساً يمسك بسيفه، ويطيح به رقاب الأعداء.. ألا تحب أن تكون فارساً؟ بلى أحب.
    فهذه هي القدوة الحقيقية النافعة، فإذا ما اختلف الجنس فلا تصلح القدوة.
    وهنا يردُّ الحق تبارك وتعالى على افتراءات الكفار بقوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ...} [النحل: 43].
    أي: أنك يا محمد لَسْتَ بَدْعاً في الرسل، فَمْن سبقوك كانوا رجالاً طيلة القرون الماضية، وفي موكب الرسالات جميعاً.
    وجاءتْ هنا كلمة {رِجَالاً} لتفيد البشرية أولاً كجنس، ثم لتفيد النوع المذكَّر ثانياً؛ ذلك لأن طبيعة الرسول قائمة على المخالطة والمعاشرة لقومه.. يظهر للجميع ويتحدث إلى الجميع.. أما المرأة فمبنية على التستُّر، ولا تستطيع أن تقوم بدور الأُسْوة للناس، ولو نظرنا لطبيعة المرأة لوجدنا في طبيعتها أموراً كثيرة لا تناسب دور النبوة، ولا تتمشَّى مع مهمة النبي، مثل انقطاعها عن الصلاة والتعبد لأنها حائض أو نُفَساء.
    كذلك جاءت كلمة {رِجَالاً} مُقيَّدة بقوله: {نوحي إِلَيْهِمْ...} [النحل: 43].
    فالرسول رجل، ولكن إياك أنْ تقول: هو رجل مثْلي وبشر مثْلي.. لا هناك مَيْزة أخرى أنه يُوحَى إليه، وهذه منزلة عالية يجب أن نحفظها للأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
    ثم يقول الحق سبحانه: {فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].
    أي: إذا غابتْ عنكم هذه القضية، قضية إرسال الرسل من البشر ولا أظنها تغيب لأنها عامة في الرسالات كلها. وما كانت لتخفَى عليكم خصوصاً وعندكم أهل العلم بالأديان السابقة، مثل ورقة بن نوفل وغيره، وعندكم أهل السِّيَر والتاريخ، وعندكم اليهود والنصارى.. فاسألوا هؤلاء جميعاً عن بشرية الرسل.
    فهذه قضية واضحة لا تُنكر، ولا يمكن المخالفة فيها.. وماذا سيقول اليهود والنصارى؟.. موسى وعيسى.. إذنْ بشر.
    وقوله تعالى: {إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].
    يوحي بأنهم يعلمون، وليس لديهم شَكٌّ في هذه القضية.. مثل لو قلتَ لمخاطبك: اسأل عن كذا إنْ كنت لا تعرف.. هذا يعني أنه يعرف، أما إذا كان في القضية شَكٌّ فنقول: اسأل عن كذا دون أداة الشرط.. إذن: هم يعرفون، ولكنه الجدال والعناد والاستكبار عن قبول الحق.
    تفسير وخواطر الشعراوى لسورة النحل وبالتجويد الصفحة (272).تفسير الآية رقم (44):

    {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)}
    استهل الحق سبحانه الآية بقوله: {بالبينات والزبر...} [النحل: 44].
    ويقول أهل اللغة: إن الجار والمجرور لابد له من متعلق.. فبماذا يتعلق الجار والمجرور هنا؟ قالوا: يجوز أنْ يتعلّق بالفعل(نُوحِي) ويكون السياق: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نُوحِي إليهم بالبينات والزبر.
    وقد يتعلق الجار والمجرور بأهل الذكر.. فيكون المعنى: فاسألوا أهل الذكر بالبينات والزبر، فهذان وجهان لعودة الجار والمجرور.
    والبينات: هي الأمر البيِّن الواضح الذي لا يشكُّ فيه أحد.. وهو إما أن يكون أمارة ثُبوت صِدْق الرسالة كالمعجزة التي تتحدى المكذِّبين أنْ يأتوا بمثلها.. أو: هي الآيات الكونية التي تلفِتُ الخَلْق إلى وجود الخالق سبحانه وتعالى، مثل آيات الليل والنهارَ والشمس والقمر والنجوم.
    أما الزُّبُر، فمعناها: الكتب المكتوبة.. ولا يُكتب عادة إلا الشيء النفيس مخافة أنْ يضيعَ، وليس هنا أنفَسُ مما يأتينا من منهج الله لِيُنظِّم لَنا حركة حياتنا.
    ونعرف أن العرب قديماً كانوا يسألون عن كُلِّ شيء مهما كان حقيراً، فكان عندهم عِلمٌ بالسهم ومَنْ أول صانع لها، وعن القوس والرَّحْل، ومثل هذه الأشياء البسيطة.. ألاَ يسألون عن آيات الله في الكون وما فيها من أسرار وعجائب في خَلْقها تدلُّ على الخالق سبحانه وتعالى؟
    ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ..} [النحل: 44].
    كلمة الذكر وردتْ كثيراً في القرآن الكريم بمعانٍ متعددة، وأَصلْ الذكر أنْ يظلَّ الشيءُ على البال بحيث لا يغيب، وبذلك يكون ضِدّه النسيان.. إذن: عندنا ذِكْر ونسيان.. فكلمة (ذكر) هنا معناها وجود شيء لا ينبغي لنا نسيانه.. فما هو؟
    الحق سبحانه وتعالى حينما خلق آدم عليه السلام أخذ العهد على كُلِّ ذرِّة فيه، فقال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بني ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غَافِلِينَ}[الأعراف: 172].
    وأخْذ العهد على آدم هو عَهْد على جميع ذريته، ذلك لأن في كُلِّ واحد من بني آدم ذَرَّة من أبيه آدم.. وجزءاً حيّاً منه نتيجة التوالُد والتناسُل من لَدُن آدم حتى قيام الساعة، وما دُمْنا كذلك فقد شهدنا أخذ العهد: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}.
    وكأن كلمة(ذكر) جاءت لتُذكِّرنا بالعهد المطمور في تكويننا، والذي ما كان لنا أنْ ننساه، فلما حدث النسيان اقتضى الأمرُ إرسالَ الرسل وإنزالَ الكتب لتذكِّرنا بعهد الله لنا: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى} [الأعراف: 172].
    ومن هنا سَمّينا الكتب المنزلة ذكراً، لكن الذكْر يأتي تدريجياً وعلى مراحل.. كلُّ رسول يأتي ليُذكَّر قومه على حَسْب ما لديهم من غفلة.
    أما الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم الذي جاء للناس كافّة إلى قيام الساعة، فقد جاء بالذكر الحقيقي الذي لا ذِكْر بعده، وهو القرآن الكريم.
    وقد تأتي كلمة(الذكْر) بمعنى الشَّرَف والرِّفْعة كما في قوله تعالى للعرب: {لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ} [الأنبياء: 100] وقد أصبح للعرب مكانة بالقرآن، وعاشت لغتهم بالقرآن، وتبوءوا مكان الصدارة بين الأمم بالقرآن.
    وقد يأتي الذكْر من الله للعبد، وقد يأتي من العبد لله تعالى كما في قوله سبحانه: {فاذكروني أَذْكُرْكُمْ..} [البقرة: 152].
    والمعنى: فاذكروني بالطاعة والإيمان أذكركم بالفيوضات والبركة والخير والإمداد وبثوابي.
    وإذا أُطلقت كلمة الذكر انصرفت إلى ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه الكتاب الجامع لكُلِّ ما نزل على الرسُل السابقين، ولكل ما تحتاج إليه البشرية إلى أنْ تقومَ الساعة.
    كما أن كلمة كتاب تطلق على أي كتاب، لكنها إذا جاءت بالتعريف(الكتاب) انصرفت إلى القرآن الكريم، وهذا ما نسميه(عَلَم بالغلبة).
    والذكْر هو القرآن الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو معجزته الخالدة في الوقت نفسه، فهو منهج ومعجزة، وقد جاء الرسُل السابقون بمعجزات لحالها، وكتب لحالها، فالكتاب منفصل عن المعجزة.
    فموسى كتابه التوراة ومعجزته العصا، وعيسى كتابه ومنهجه الإنجيل ومعجزته إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله.
    أما محمد صلى الله عليه وسلم فمعجزته هي نفس كتاب منهجه، لا ينفصل أحدهما عن الآخر لتظلّ المعجزة مُسَاندة للمنهج إلى قيام الساعة.
    وهذا هو السِّر في أن الحق تبارك وتعالى تكفل بحفظ القرآن وحمايته، فقال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].
    أما الكتب السابقة فقد عُهد إلى التابعين لكل رسول منهم بحِفْظ كتابه، كما قال تعالى: {إِنَّآ أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ والربانيون والأحبار بِمَا استحفظوا مِن كِتَابِ الله...} [المائدة: 44].
    ومعنى اسْتُحفِظوا: أي طلبَ الله منهم أنْ يحفظوا التوراة، وهذا أمْرُ تكليف قد يُطاع وقد يُعصى، والذي حدث أن اليهود عَصَوْا وبدّلوا وحَرَّفوا في التوراة.. أما القرآن فقد تعهَّد الله تعالى بحفْظه ولم يترك هذا لأحد؛ لأنه الكتاب الخاتَم الذي سيصاحب البشرية إلى قيام الساعة.
    ومن الذِّكْر أيضاً ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مع القرآن، وهو الحديث الشريف، فللرسول مُهِمة أخرى، وهي منهجه الكلاميّ وحديثه الشريف الذي جاء من مِشْكاة القرآن مبيِّناً له ومُوضِّحاً له... كما قال صلى الله عليه وسلم: «أَلاَ وإنِّي قد أُوتيتُ القرآن ومِثْله معه، يُوشك رجل شبعان يتكيء على أريكته يُحدِّث بالحديث عنِّي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال حَلَّلْناه، وما وجدنا فيه من حرام حَرَّمناه، أَلاَ وإنَّه ليس كذلك».
    ويقول الحق سبحانه: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ..} [النحل: 44].
    إذن: جاء القرآن كتابَ معجزة، وجاء كتابَ منهج، إلا أنه ذكر أصول هذا المنهج فقط، ولم يذكر التعريفات المنهجية والشروح اللازمة لتوضيح هذا المنهج، وإلاَّ لَطالتْ المسألة، وتضخَّم القرآن وربما بَعُد عن مُرَاده.
    فجاء القرآن بالأصول الثابتة، وترك للرسول صلى الله عليه وسلم مهمة أنْ يُبيِّنه للناس، ويشرحه ويُوضِّح ما فيه.
    وقد يظن البعض أن كُلَّ ما جاءتْ به السُّنة لا يلزمنا القيام به؛ لأنه سنة يُثَاب مَنْ فعلها ولا يُعاقب مَنْ تركها.. نقول: لا.. لابد أن نُفرِّق هنا بين سُنّية الدليل وسُنّية الحكم، حتى لا يلتبس الأمر على الناس.
    فسُنّية الدليل تعني وجود فَرْض، إلا أن دليله ثابت من السنة.. وذلك كبيان عدد ركعات الفرائض: الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء، فهذه ثابتة بالسنة وهي فَرْض.
    أما سُنيّة الحكم: فهي أمور وأحكام فقهية وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يُثَاب فاعلها ولا يُعاقب تاركها.. فحين يُبيِّن لنا الرسول بسلوكه وأُسْوته حُكْماً ننظر: هل هي سُنّية الدليل فيكون فَرْضاً، أم سُنّية الحكم فيكون سُنة؟ ويظهر لنا هذا أيضاً من مواظبة الرسول على هذا الأمر، فإنْ واظب عليه والتزمه فهو فَرْض، وإنْ لم يواظب عليه فهو سُنة.
    إذن: مهمة الرسول ليست مجرد مُنَاولة القرآن وإبلاغه للناس، بل وبيان ما جاء فيه من المنهج الإلهي، فلا يستقيم هنا البلاغ دون بيان.. ولابد أن نفرّق بين العطائين: العطاء القرآني، والعطاء النبوي.
    ويجب أن نعلم هنا أن من المَيْزات التي مُيِّز بها النبي صلى الله عليه وسلم عن سائر إخوانه من الرُّسُل، أنه الرسول الوحيد الذي أمنه الله على التشريع، فقد كان الرسل السابقون يُبلِّغون أوامر السماء فَقط وانتهتْ المسألة، أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد قال الحق تبارك وتعالى في حقِّه: {وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا..} [الحشر: 7].
    إذن: أخذ مَيْزة التشريع، فأصبحت سُنّته هي التشريع الثاني بعد القرآن الكريم.
    ثم يقول تعالى: {وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44].
    يتفكرون.. في أي شيء؟ يتفكرون في حال الرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، حيث لم يُؤْثَر عنه أنه كان خطيباً أو أديباً شاعراً، ولم يُؤْثَر عنه أنه كان كاتباً مُتعلِّماً.. لم يُعرف عنه هذا أبداً طيلة أربعين عاماً من عمره الشريف، لذلك أمرهم بالتفكُّر والتدبُّر في هذا الأمر.
    فليس ما جاء به محمد عبقرية تفجَّرت هكذا مرَّة واحدة في الأربعين من عمره، فالعمر الطبيعي للعبقريات يأتي في أواخر العِقْد الثاني وأوائل العِقْد الثالث من العمر.
    ولا يُعقل أنْ تُؤجّل العبقرية عند رسول الله إلى هذا السن وهو يرى القوم يُصْرعون حوله.. فيموت أبوه وهو في بطن أمه، ثم تموت أمه وما يزال طفلاً صغيراً، ثم يموت جَدُّه، فمَنْ يضمن له الحياة إلى سِنِّ الأربعين، حيث تتفجَّر عنده هذه العبقرية؟!
    إذن: تفكَّروا، فليستْ هذه عبقرية من محمد، بل هي أمْر من السماء؛ ولذلك أمره ربُّه تبارك وتعالى أن يقول لهم: {قُل لَّوْ شَآءَ الله مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [يونس: 16].
    فكان عليكم أنْ تفكِّروا في هذه المسألة.. ولو فكرتُمْ فيها كان يجب عليكم أنْ تتهافتوا على الإسلام، فأنتم أعلم الناس بمحمد، وما جرَّبتم عليه لا كذباً ولا خيانةً، ولا اشتغالاً بالشعر أو الخطابة، فما كان لِيْصدق عندكم ويكذب على الله.
    ولا بُدَّ أن نُفرّق بين العقل والفكر. فالعقل هو الأداة التي تستقبل المحسَّات وتُميِّزها، وتخرج منها القضايا العامة التي ستكون هي المباديء التي يعيش الإنسان عليها، والتي ستكون عبارة عن معلومات مُخْتزنة، أما الفكر فهو أن تفكر في هذه الأشياء لكي تستنبط منها الحكم.
    والله سبحانه وتعالى ترك لنا حُرية التفكير وحرية العقل في أمور دنيانا، لكنه ضبطنا بأمور قَسْرية يفسَد العالم بدونها، فالذي يفسد العالم أن نترك ما شرعه الله لنا.. والباقي الذي لا يترتب عليه ضرر يترك لنا فيه مجالاً للتفكير والتجربة؛ لأن الفشل فيه لا يضر.
    فما أراده الله حُكْماً قسْرياً فرضه بنصِّ صريح لا خلافَ فيه، وما أراده على وجوه متعددة يتركه للاجتهاد حيث يحتمل الفعل فيه أوجهاً متعددة، ولا يؤدي الخطأ فيه إلى فساد.
    فالمسألة ميزان فكري يتحكم في المحسَّات ويُنظم القضايا، لنرى أولاً ما يريده الله بتاً وما يريده اجتهاداً، وما دام اجتهاداً فما وصل إليه المجتهد يصح أنْ يعبد الله به، ولكن آفة الناس في الأمور الاجتهادية أن منهم مَنْ يتهم مخالفه، وقد تصل الحال بهؤلاء إلى رَمْي مخالفيهم بالكفر والعياذ بالله.
    ونقول لمثل هذا: اتق الله، فهذا اجتهادٌ مَنْ أصاب فيه فَلَهُ أجران، ومَنْ أخطأ فله أجر.. ولذلك نجد من العلماء مَنْ يعرف طبيعة الأمور الاجتهادية فنراه يقول: رَأْيي صواب يحتمل الخطأ، ورَأْي غيري خطأ يحتمل الصواب. وهكذا يتعايش الجميع وتُحتَرم الآراء.
    ومن رحمة الله بعباده أن يأمرهم بالتفكُّر والتدبُّر والنظر؛ ذلك لأنهم خَلْقه سبحانه، وهم أكرم عليه من أنْ يتركهم للضلال والكفر، بعد أن أكرمهم بالخَلْق والعقل، فأراد سبحانه أن يكرمهم إكراماً آخر بالطاعة والإيمان.
    وكأنه سبحانه يقول لهم: رُدُّوا عقولكم ونفوسكم عن كبرياء الجدل ولَجَج الخصومة، وإنْ كنتم لا تؤمنون بالبعث في الآخرة، وبما أُعدَّ للظالمين فيها من عقاب، فانظروا إلى ما حدث لهم وما عُجِّل لهم من عذاب في الدنيا.
    انظروا للذين سبقوكم من الأمم المكذَّبة وما آل إليه مصيرهم، أم أنتم آمنون من العذاب، بعيدون عنه؟!
    ثم يقول تبارك وتعالى: {أَفَأَمِنَ الذين مَكَرُواْ...}.
    تفسير وخواطر الشعراوى لسورة النحل وبالتجويد الصفحة (272).تفسير الآية رقم (45):

    {أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (45)}
    قوله تعالى: {أَفَأَمِنَ...} [النحل: 45].
    عبارة عن همزة الاستفهام التي تستفهم عن مضمون الجملة بعدها.. أما الفاء بعدها فهي حَرْف عَطْف يعطف جملة على جملة.. إذن: هنا جملة قبل الفاء تقديرها: أجهلوا ما وقع لمخالفي الأنبياء السابقين من العذاب، فأمِنُوا مكر الله؟
    أي: أن أَمْنهم لمكر الله ناشيءٌ عن جهلهم بما وقع للمكَذِّبين من الأمم السابقة.
    ثم يقول تعالى: {مَكَرُواْ السيئات....} [النحل: 45].
    المكر: هو التبييت الخفيّ للنيْل ممَّنْ لا يستطيع مجابهته بالحق ومجاهرته به، فأنت لا تُبيِّت لأحد إلا إذا كانت قدرتُك عاجزة عن مُصَارحته مباشرة، فكوْنُك تُبيّت له وتمكر به دليل على عَجْزك؛ ولذلك جعلوا المكر أول مراتب الجُبْن؛ لأن الماكر ما مكر إلا لعجزه عن المواجهة، وعلى قَدْر ما يكون المكْر عظيماً يكون الضعف كذلك.
    وهذا ما نلحظه من قوله تعالى في حَقِّ النساء: {كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ..} [يوسف: 28].
    وقال في حَقِّ الشيطان: {إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفاً} [النساء: 76].
    فالمكر دليل على الضعف، وما دام كَيْدهُن عظيماً إذن: ضَعْفُهن أيضاً عظيم، وكذلك في كيد الشيطان.
    وقديماً قالوا: إياك أنْ يملكَك الضعيف؛ ذلك لأنه إذا تمكَّن منك وواتَتْه الفرصة فلن يدعَكَ تُفلت منه؛ لأنه يعلم ضعفه، ولا يضمن أن تُتاحَ له الفرصة مرة أخرى؛ لذلك لا يضيعها على عكس القويّ، فهو لا يحرص على الانتقام إذا أُتيحَتْ له الفرصة وربما فَوَّتها لقُوته وقُدرته على خَصْمه، وتمكّنه منه في أيِّ وقت يريد، وفي نفس المعنى جاء قول الشاعر:
    وَضَعِيفة فإذَا أَصَابتْ فُرْصةً ** قتلَتْ كذلِكَ قُدرةُ الضُّعَفاءِ

    إذن: قدرة الضعفاء قد تقتل، أما قدرة القويّ فليستْ كذلك.
    ثم لنا وقْفة أخرى مع المكْر، من حيث إن المكر قد ينصرك على مُساويك وعلى مثلك من بني الإنسان، فإذا ما تعرضْتَ لمن هو أقوى منك وأكثر منك حَيْطة، وأحكم منك مكْراً، فربما لا يُجدِي مكرُك به، بل ربما غلبك هو بمكْره واحتياطه، فكيف الحال إذا كَان الماكر بك هو ربِّ العالمين تبارك وتعالى؟
    وصدق الله العظيم حيث قال: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله والله خَيْرُ الماكرين} [الأنفال: 30].
    وقال: {وَلاَ يَحِيقُ المكر السيئ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43].
    فمكْر العباد مكشوف عند الله، أما مكْرُه سبحانه فلا يقدر عليه أحد، ولا يحتاط منه أحد؛ لذلك كان الحق سبحانه خَيْر الماكرين.
    والمكْر السَّيء هو المكْر البطَّال الذي لا يكون إلا في الشر، كما حدث من مَكْر المكذِّبين للرسل على مَرِّ العصور، وهو أن تكيد للغير كيْداً يُبطل حَقّاً.
    وكل رسول قابله قومه المنكرون له بالمكر والخديعة، دليل على أنهم لا يستطيعون مواجهته مباشرة، وقد تعرَّض الرسول صلى الله عليه وسلم لمراحل متعددة من الكَيْد والمكْر والخديعة، وذلك لحكمة أرادها الحق تبارك وتعالى وهي أن يُوئس الكفار من الانتصار عليه صلى الله عليه وسلم، فقد بيَّتوا له ودَبَّروا لقتله، وحَاكُوا في سبيل ذلك الخطط، وقد باءتْ خُطتهم ليلة الهجرة بالفشل.
    وفي مكيدة أخرى حاولوا أن يَسْحروه صلى الله عليه وسلم، ولكن كشف الله أمرهم وخيَّب سعيهم.. إذن: فأيّ وسيلة من وسائل دَحْض هذه الدعوة لم تنجحوا فيها، ونصره الله عليكم. كما قال تعالى: {كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي...} [المجادلة: 21].
    وقوله تعالى: {أَن يَخْسِفَ الله بِهِمُ الأرض...} [النحل: 45].
    الخسْف: هو تغييب الأرض ما على ظهرها.. فانخسفَ الشيء أيْ: غاب في باطن الأرض، ومنه خُسوف القمر أي: غياب ضَوْئه. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى عن قارون: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض} [القصص: 81].
    وهذا نوع من العذاب الذي جاء على صُور متعددة كما ذكرها القرآن الكريم: {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصيحة وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرض وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا..} [العنكبوت: 40].
    هذه ألوان من العذاب الذي حاقَ بالمكذبين، وكان يجب على هؤلاء أن يأخذوا من سابقيهم عبرة وعظة، وأنْ يحتاطوا أن يحدث لهم كما حدث لسابقيهم.
    ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {أَوْ يَأْتِيَهُمُ العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} [النحل: 45].
    والمراد أنهم إذا احتاطوا لمكْر الله وللعذاب الواقع بهم، أتاهم الله من وجهة لا يشعرون بها، ولم تخطُر لهم على بال، وطالما لم تخطُرْ لهم على بال، إذن: فلم يحتاطوا لها، فيكون أَخْذهم يسيراً، كما قال تعالى: {فَأَتَاهُمُ الله مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ...} [الحشر: 2].
    ويتابع الحق سبحانه، فيقول: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي...}.
    تفسير وخواطر الشعراوى لسورة النحل وبالتجويد الصفحة (272).تفسير الآية رقم (46):

    {أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (46)}
    التقلب: الانتقال من حال إلى حال، أو من مكان إلى مكان، والانتقال من مكان الإقامة إلى مكان آخر دليلُ القوة والمقدرة، حيث ينتقل الإنسان من مكانه حاملاً متاعه وعَتَاده وجميع ما يملك؛ لينشيء له حركةَ حياة جديدة في مكانه الجديد.
    إذن: التقلُّب في الحياة مظهر من مظاهر القوة، بحيث يستطيع أن يقيم حياة جديدة، ويحفظ ماله في رحلة تقلُّبه.. ولا شكَّ أن هذا مظهر من مظاهر العزة والجاه والثراء لا يقوم به إلا القوي.
    ولذلك نرى في قول الحق تبارك وتعالى عن أهل سبأ: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ القرى التي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السير سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} [سبأ: 18-19].
    فهؤلاء قوم جمع الله لهم ألواناً شتى من النعيم، وأمَّن بلادهم وأسفارهم، وجعل لهم محطات للراحة أثناء سفرهم، ولكنهم للعجب طلبوا من الله أن يُباعد بين أسفارهم، كأنهم أرادوا أنْ يتميزوا عن الضعفاء غير القادرين على مشقة السفر والترحال، فقالوا: {بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} [سبأ: 19].
    حتى لا يقدر الضعفاء منهم على خَوْض هذه المسافات.
    إذن: الذي يتقلَّب في الأرض دليل على أن له من الحال حال إقامة وحال ظَعْن وقدرة على أن ينقل ما لديه ليقيم به في مكان آخر؛ ولذلك قالوا: المال في الغربة وطن.. ومَنْ كان قادراً يفعل ما يريد.
    والحق سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الذين كَفَرُواْ فِي البلاد} [آل عمران: 196].
    فلا يخيفنك انتقالهم بين رحلتي الشتاء والصَّيْف، فالله تعالى قادر أن يأخذَهم في تقلُّبهم.
    وقد يُراد تقلّبهم في الأفكار والمكْر السيء بالرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته كما في قوله تعالى: {لَقَدِ ابتغوا الفتنة مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأمور} [التوبة: 48].
    فقد قعدوا يُخطّطون ويمكُرون ويُدبِّرون للقضاء على الدعوة في مَهْدها.
    ويقول تعالى: {فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ} [النحل: 46].
    المعجز: هو الذي لا يمَكِّنك من أنْ تغلبه، وهؤلاء لن يُعجِزوا الله تعالى، ولن يستطيعوا الإفلاتَ من عذابه؛ لأنهم مهما بَيَّتوا فتبييتهم وكَيْدهم عند الله.. أما كيْد الله إذا أراد أنْ يكيد لهم فلن يشعروا به: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله} [الأنفال: 30].
    وقال: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً فَمَهِّلِ الكافرين أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً} [الطارق: 15-17].
    فمَنْ لا يستطيع أن يغلبك يخضع لك، وما دام يخضع لك يسيطر عليه المنهج الذي جِئْتَ به.
    وقد يكون العجز أمام القوىّ دليلَ قوة، كما عجز العرب أمام تحدِّي القرآن لهم، فكان عجزهم أمام كتاب الله دليلَ قوتهم في المجال الذي تحدَّاهم القرآن فيه؛ لأن الله تعالى حين يتحدَّى وحين يُنازل لا ينازل الضعيف، لا بل ينازل القوي في مجال هذا التحدِّي.
    تفسير وخواطر الشعراوى لسورة النحل وبالتجويد الصفحة (272).تفسير الآية رقم (47):

    {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (47)}
    التخوُّف: هو الفزع من شيء لم يحدث بعد، فيذهب فيه الخيال مذاهبَ شتَّى، ويتوقع الإنسان ألواناً متعددة من الشر، في حين أن الواقع يحدث على وجه واحد.
    هَبْ أنك في انتظار حبيب تأخَّر عن موعد وصوله، فيذهب بك الخيال والاحتمال إلى أمور كثيرة.. يا تُرى حدث كذا أو حدث كذا، وكل خيال من هذه الخيالات له أثر ولذعة في النفس، وبذلك تكثر المخاوف، أما إن انتظرتَ لتعرفَ الواقع فإنْ كان هناك فزع كان مرة واحدة.
    ولذلك يقولون في الأمثالتفسير وخواطر الشعراوى لسورة النحل وبالتجويد الصفحة (272)نزول البلا ولا انتظاره) ذلك لأنه إنْ نزل سينزل بلون واحد، أما انتظاره فيُشيع في النفس ألواناً متعددة من الفزع والخوف.. إذن: التخُّوف أشدُّ وأعظم من وقوع الحَدث نفسه.
    وكان هذا الفزع يعتري الكفار إذا ما عَلِموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية من السَّرايا، فيتوقع كل جماعة منهم أنها تقصدهم، وبذلك يُشيع الله الفزع في نفوسهم جميعاً، في حين أنها خرجتْ لناحية معينة.
    وبعض المفسرين قال: التخوُّف يعني التنقُّص بأنْ ينقص الله من رُقْعة الكفر بدخول القبائل في الإسلام قبيلةً بعد أخرى، فكلُّ واحدة منها تنقص من رقعة الكفر.. كما جاء في قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الخوف والجوع وَنَقْصٍ مِّنَ الأموال والأنفس والثمرات...} [البقرة: 155].
    ثم يقول الحق تبارك وتعالى في تذييل هذه الآية: {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 47].
    وهل هذا التذييل مناسب للآية وما قبلها من التهديد والوعيد؟ فالعقل يقول: إن التذييل المناسب لها: إن ربكم لشديد العقاب مثلاً.
    لكن يجب هنا أنْ نعلمَ أن هذا هو عطاء الربوبية الذي يشمل العباد جميعاً مؤمنهم وكافرهم، فالله تعالى استدعى الجميع للدنيا، وتكفَّل للجميع بما يحفظ حياتهم من شمس وهواء وأرض وسماء، لم تُخلَق هذه الأشياء لواحد دون الآخر، وقد قال تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِن نَّصِيبٍ}[الشورى: 20].
    وكأن في الآية لَوْناً من ألوان رحمته سبحانه بخَلْقه وحِرْصه سبحانه على نجاتهم؛ لأنه يُنبِّههم إلى ما يمكن أن يحدث لَهم إذا أصرُّوا على كفرهم، ويُبصِّرهم بعاقبة كفرهم، والتبصرة عِظَة، والعِظَة رأفة بهم ورحمة حتى لا ينالهم هذا التهديد وهذا الوعيد.
    ومثال هذا التذييل كثير في سورة الرحمن، يقول الحق تبارك وتعالى: {رَبُّ المشرقين وَرَبُّ المغربين فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 17-18].
    فهذه نعمة ناسبت قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 18].
    وكذلك في قوله تعالى: {مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ} [الرحمن: 19-20].
    فهذه نعمة من نعم الله ناسبت تذييل الآية: {فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 21].
    أما في قوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 266-28].
    فما النعمة في {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}؟ هل الموت نعمة؟!
    نعم، يكون الموت نعمة من نِعَم الله على عباده؛ لأنه يقول للمحسن: سيأتي الموت لتلقَى جزاء إحسانك وثواب عملك، ويقول أيضاً للكافر: انتبه واحذر.. الموت قادم، كأنه سبحانه يُوقِظ الكفار ويَعِظهم لينتهوا عما هم فيه.. أليست هذه نعمة من نعم الله ورحمة منه سبحانه بعباده؟
    وكذلك انظر إلى قول الحق تبارك وتعالى: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}[الرحمن: 35-36].
    فأيّ نعمة في: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ} [الرحمن: 35].
    أيُّ نعمة في هذا العذاب؟
    نعم المتدبِّر لهذه الآية يجد فيها نعمة عظيمة؛ لأن فيها تهديداً ووعيداً بالعذاب إذا استمروا على ما هم فيه من الكفر.. ففي طيَّاتها تحذير وحِرْص على نجاتهم كما تتوعد ولدك: إذا أهملتَ دروسك ستفشل وأفعل بك كذا وكذا. وأنت ما قلت ذلك إلا لحِرصك على نجاحه وفلاحه.

    إذن: فتذييل الآية بقوله: {فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 47].
    تذييل مناسب لما قبلها من التهديد والوعيد، وفيها بيان لرحمة الله التي يدعو إليها كلاً من المؤمن والكافر.
    ثم يقول الحق سبحانه: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ إلى مَا خَلَقَ..}.

    تفسير وخواطر الشعراوى لسورة النحل وبالتجويد الصفحة (272).تفسير الآية رقم (48):

    {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48)}
    قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ...} [النحل: 48].
    المعنى: أَعَمُوا ولم يَرَوْا ولم يتدبروا فيها خلق الله؟
    {مِن شَيْءٍ} [النحل: 48].
    كلمة شيء يسمونها جنس الأجناس، و{مِن} تفيد ابتداء ما يُقال له شيء، أي: أتفه شيء موجود، وهذا يسمونه أدنى الأجناس.. وتفيد أيضاً العموم فيكون: {مِن شَيْءٍ...} [النحل: 48].
    أي: كل شيء.
    فانظر إلى أيّ شيء في الوجود مهما كان هذا الشيء تافهاً ستجد له ظِلاً: {يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ...} [النحل: 48].
    يتفيأ: من فاءَ أي: رجع، والمراد عودة الظل مرة أخرى إلى الشمس، أو عودة الشمس إلى الظل.
    فلو نظرنا إلى الظل نجده نوعين: ظل ثابت مستمر، وظل مُتغيّر، فالظل الثابت دائماً في الأماكن التي لا تصل إليها أشعة الشمس، كقاع البحار وباطن الأرض، فهذا ظِلٌّ ثابت لا تأتيه أشعة الشمس في أي وقت من الأوقات.
    والظلّ المتحرك الذي يُسمّى الفَيْء لأنه يعود من الظل إلى الشمس، أو من الشمس إلى الظل، إذن: لا يُسمَّى الظل فَيْئاً إلا إذا كان يرجع إلى ما كان عليه.
    ولكن.. كيف يتكّون الظل؟ يتكّون الظل إذا مَا استعرض الشمسَ جسم كثيف يحجب شعاع الشمس، فيكون ظِلاً له في الناحية المقابلة للشمس، هذا الظل له طُولان وله استواء واحد.
    طول عند الشروق إلى أنْ يبلغَ المغرب، ثم يأخذ في التناقص مع ارتفاع الشمس، فإذا ما استوتْ الشمس في السماء يصبح ظِلّ الشيء في نفسه، وهذه حالة الاستواء، ثم تميل الشمس إلى الغروب، وينعكس طول الظلّ الأول من ناحية المغرب إلى ناحية المشرق.
    ويلفتنا الحق تبارك وتعالى إلى هذه الآية الكونية في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشمس عَلَيْهِ دَلِيلاً ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً} [الفرقان: 45-46].
    ذلك لأنك لو نظرتَ إلى الظلِّ وكيف يمتدُّ، وكيف ينقبض وينحسر لوجدتَ شيئاً عجيباً حقاً.. ذلك لأنك تلاحظ الظل في الحالتين يسير سَيْراً انسيابياً.
    ما معنىتفسير وخواطر الشعراوى لسورة النحل وبالتجويد الصفحة (272)انسيابي)؟ هو نوع من أنواع الحركة، فالحركة إما حركة انسيابية، أو حركة عن توالي سكونات بين الحركات.
    وهذه الأخيرة نلاحظها في حركة عقارب الساعة، وهي أوضح في عقرب الثواني منها في عقرب الدقائق، ولا تكاد تشعر بها في عقرب الساعات.. فلو لاحظت عقرب الثواني لوجدتَه يسير عن طريق قفزات منتظمة، تكون حركة فسكوناً فحركة، وهكذا.
    ومعنى ذلك أنه يجمع الحركة في حال سكونه، ثم ينطلق بها، وبذلك تمرُّ عليه لحظة لم يكن مُتحركاً فيها، وهذا ما نسميه بالحركة القفزية.. هذه الحركة لا تستطيع رَصْدها في عقرب الساعات؛ لأن القفزة فيه دقيقة لدرجة أن العين المجردة تعجز عن رَصْدها وملاحظتها، هذه هي الحركة القفزية.
    أما الحركة الانسيابية، فتعني أن كل جزء من الزمن فيه جزء من الحركة.. أي: حركة مستمرة ومُوزّعة بانتظام على الزمن.
    ونضرب لذلك مثلاً بنمو الطفل.. الطفل الوليد ينمو باستمرار، لكن أمه لملازمتها له لا تلاحظ هذا النمو؛ لأن نظرها عليه دائماً.. فكيف تكون حركة النمو في الطفل؟ هل حركة قفزية يتجمع فيها نمو الطفل كل أسبوع أو كل شهر مثلاً، ثم ينمو طَفْرة واحدة؟
    لو كان نموه هكذا لَلاَحظنا نمو الطفل، لكنه ليس كذلك، بل ينمو بحركة انسيابية تُوزّع المِلِّي الواحد من النمو على طول الزمن. فلا نكاد نشعر بنموه.
    وهكذا حركة الشمس حركة انسيابية، بحيث تُوزع جزئيات الحركة على جُزئيات الزمن، فالشمس ليست مركونة إلى ميكانيكا تتحرك عن التروس كالساعة مثلاً، لا.. بل مركونة إلى أمر الله، موصولة بكُنْ الدائمة.
    وكأن الحق تبارك وتعالى يريد أن يلِفتَ خَلْقه إلى ظاهرة كونية في الوجود مُحسّة، يدركها كلٌّ مِنّا في ذاته، وفيما يرى من المرائي، ومن هذه المظاهر ظاهرة الظَلّ التي يعجز الإنسان عن إدراك حركته.
    وفي آية أخرى يقول الحق تبارك وتعالى: {وَظِلالُهُم بالغدو والآصال} [الرعد: 15].
    فالحق سبحانه يريد أن يُعمم الفكرة التسبيحية في الكون كله، كما قال تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ...} [الإسراء: 44].
    فكل ما يُطلَق عليه شيء فهو يُسبِّح مهما كان صغيراً.
    وقوله تعالى: {يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ اليمين والشمآئل...} [النحل: 48].
    لنا هنا وقفة مع الأداء القرآني، حيث أتى باليمين مُفْرداً، في حين أتى بالشمائل على صورة الجمع؛ ذلك لأن الحق تبارك وتعالى لما قال: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ إلى مَا خَلَقَ الله مِن شَيْءٍ...} [النحل: 48].
    أتى بأقلّ ما يُتصوَّر من مخلوقاته سبحانه {مِن شَيْءٍ...} وهو مفرد، ثم قال سبحانه: {ظِلاَلُهُ..} [النحل: 48].
    بصيغة الجمع. أي: مجمع هذه الأشياء، فالإنسان لا يتفيأ ظِلّ شيء واحد، لا.. بل ظِلّ أشياء متعددة.
    و{مِن} هنا أفادت العموم: {مِن شَيْءٍ..} [النحل: 48].
    أي: كل شيء. فليناسب المفرد جاء باليمين، وليناسب الجمع جاء بالشمائل.
    ثم يقول تعالى: {سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ} [النحل: 48].
    فما العلاقة بين حركة الظلّ وبين السجود؟
    معنى: سُجّداً أي: خضوعاً لله، وكأن حركة الظل وامتداده على امتداد الزمن دليلٌ على أنه موصول بالمحرك الأعلى له، والقائل الأعلى ل (كُنْ)، والظل آية من آياته سبحانه مُسخّرة له ساجدة خاضعة لقوله: كُنْ فيكون.
    وقلنا: إن هناك فرقاً بين الشيء تُعِده إعداداً كَوْنياً، والشيء تُعِده إعداداً قدرياً.. فصانع القنبلة الزمنية يُعِدُّها لأنْ تنفجرَ في الزمن الذي يريده، وليس الأمر كذلك في إعداد الكون.
    الكون أعدّه الله إعداداً قدرياً قائماً على قوله كُنْ، وفي انتظار لهذا الأمر الإلهي باستمرار(كن فيكون).
    وهكذا.. فليست المسألة مضبوطة ميكانيكاً، لا.. بل مضبوطة قَدرياً.
    لذلك يحلو لبعض الناس أن يقول: باقٍ للشمس كذا من السنين ثم ينتهي ضوؤها، ويُرتّب على هذا الحكم أشياء أخرى.. نقول: لا.. ليس الأمر كذلك.. فالشمس خاضعة للإعداد القدريّ منضبطةٌ به ومنتظرة ل (كُنْ) التي يُصغِي لها الكون كله؛ ولذلك يقول تعالى: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن: 29].
    هكذا بيَّنت الآية الكريمة أن كل ما يُقال له (شيء) يسجد لله عز وجل، وكلمة (شيء) جاءت مُفْردة دالّة على العموم.. وقد عرفنا السجود فيما كلَّفنا الله به من ركن في الصلاة، وهو مُنْتَهى الخضوع، خضوع الذات من العابد للمعبود، فنحن نخضع واقفين، ونخضع راكعين، ونخضع قاعدين، ولكن أتمَّ الخضوع يكون بأنْ نسجدَ لله.. ولماذا كان أتمَّ الخضوع أن نسجدَ لله؟
    نقول: لأن الإنسان له ذات عامة، وفي هذا الذات سيد للذات، بحيث إذا أُطلِق انصرف إلى الذات، والمراد به الوجه؛ لذلك حينما يعبّر الحق تبارك وتعالى عن فَنَاء الوجود يقول: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ..} [القصص: 88].
    وكذلك في قوله: {إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ رَبِّهِ الأعلى وَلَسَوْفَ يرضى} [الليل: 20-21].
    فيُطلَق الوجه ويُراد به الذات، فإذا ما سجد الوجه لله تعالى دلَّ ذلك على خضوع الذات كلها؛ لأن أشرف ما في الإنسان وجهه، فإذا ما ألصقه بالأرض فقد جاء بمنتهى الخضوع بكل ذاته للمعبود عز وجل.
    كما دَلَّتْ الآية على أن الظل أيضاً يسجد لربه وخالقه سبحانه، والظلال قد تكون لجمادات كالشجر مثلاً، أو بناية أو جبل، وهذه الأشياء الثابتة يكون ظِلّها أيضاً ثابتاً لا يتحرك، أما ظِلّ الإنسان أو الحيوان فهو ظل متحرك، وقد ضرب لنا الحق تبارك وتعالى مثلاً في الخضوع التام بالظلال؛ لأن ظل كل شيء لا يفارق الأرض أبداً، وهذا مثال للخضوع الكامل.
    ثم يرتفع الحق تبارك وتعالى بمسألة السجود من الجمادات في الظلال في قوله: {وَظِلالُهُم بالغدو والآصال} [الرعد: 15].
    يعني الذوات تسجد، وكذلك الظلال تسجد؛ ولذلك يتعجب بعض العارفين من الكافر.. يقول: أيها الكافر ظِلُّك ساجد وأنت جاحد.. جاء هذا الترقِّي في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ...}.
    تفسير وخواطر الشعراوى لسورة النحل وبالتجويد الصفحة (272).تفسير الآية رقم (49):

    {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49)}
    فأجناس الكون التي يعرفها الإنسان أربعة: إما جماد، فإذا وجدتَ خاصية النمو كان النبات، وإذا وجدتَ خاصية الحركة والحسِّ كان الحيوان، فإذا وجدتَ خاصية الفِكْر كان الإنسان، وإذا وجدتَ خاصية العلم الذاتي النوراني كان المَلَك.. هذه هي الأجناس التي نعرفها.
    الحق تبارك وتعالى ينقلُنا هنا نَقْلة من الظلال الساجدة، للجمادات الثابتة، إلى الشيء الذي يتحرك، وهو وإنْ كان مُتحركاً إلا أن ظلّه أيضاً على الأرض، فإذا كان الحق سبحانه قد قال: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض..}[النحل: 49].
    فقد فصَّل هذا الإجمال بقوله: {مِن دَآبَّةٍ والملائكة...} [النحل: 49].
    أي: من أقلّ الأشياء المتحركة وهي الدابة، إلى أعلى الأشياء وهي الملائكة.
    وقد يقول قائل: وهل ما في السماوات وما في الأرض يسجد لله؟
    نقول له: نعم.. لأنك فسرتَ السجود فيك أنت بوضْع جبهتك على الأرض، ليدلّ على أن الذات بعلُوّها ودنُوّها ساجدة لله خاضعة تمام الخضوع، حيث جعلتَ الجبهة مع القدم.
    والحق تبارك وتعالى يريد منّا أن نعرف استطراق العبودية في الوجود كله؛ لأن الكافر وإنْ كانَ مُتمرِّداً على الله فيما جعل الله له فيه اختيارا، في أنْ يؤمن أو يكفر، في أن يطيع أو يعصي، ولكن الله أعطاه الاختيار.
    نقول له: إنك قد ألفْتَ التمرّد على الله، فطلب منك أن تؤمن لكنك كفرتَ، وطلبَ منك يا مؤمن أن تطيعَ فعصيتَ، إذن: فلكَ إلْفٌ بالتمرّد على الحق.. ولكن لا تعتقد أنك خرجتَ من السجود والخضوع لله؛ لأن الله يُجري عليك أشياء تكرهها، ولكنها تقع عليك رغم أنفك وأنت خاضع.
    وهذا معنى قوله تعالى في الآية السابقة: {وَهُمْ دَاخِرُونَ} [النحل: 48].
    أي: صاغرون مُستذلِّون مُنقَادُونَ مع أنهم أَلِفُوا التمرُّد على الحق سبحانه.
    وإلا فهذا الذي أَلِف الخروج عن مُرادات الله فيما له فيه اختيار، هل يستطيع أنْ يتأبَّى على الله إذا أراد أنْ يُمرضه، أو يُفقره، أو يميته؟
    لا، لا يستطيع، بل هو داخر صاغر في كل ما يُجريه عليه من مقادير، وإنْ كان يأباها، وإنْ كان قد أَلِف الخروج عن مُرادات الله.
    إذن: ليس في كون الله شيء يستطيع الخروج عن مرادات الله؛ لأنه ما خرج عن مرادات الله الشرعية في التكليف إلا بما أعطاه الله من اختيار، وإلا لو لم يُعْطه الاختيار لما استطاع التمرّد، كما في المرادات الكونية التي لا اختيارَ فيها.
    لذلك نقول للكافر الذي تمرّد على الحق سبحانه: تمرّد إذا أصابك مرض، وقُلْ: لن أمرض، تمرَّد على الفقر وقُلْ: لن أفتقر.. وما دُمْتَ لا تقدر وسوف تخضع راغماً فلتخضعْ راضياً وتكسب الأمر، وتنتهي مشكلة حياتك، وتستقبل حياة أخرى أنظف من هذه الحياة.
    وقوله تعالى: {مِن دَآبَّةٍ...} [النحل: 49].
    هو كل ما يدبّ على الأرض، والدَّبُّ على الأرض معنا الحركة والمشي.. وقوله: {والملائكة...} [النحل: 49].
    أي: أن الملائكة لا يُقال لها دابة؛ لأن الله جعل سَعْيها في الأمور بأجنحة فقال تعالى: {أولي أَجْنِحَةٍ مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ..} [فاطر: 1].
    وقال في آية أخرى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ...} [الأنعام: 38].
    فخلق الله الطائر يطير بجناحيه مقابلاً للدابة التي تدب على الأرض، فاستحوذ على الأمرين: الدابة والملائكة.
    و{مَا} في الآية تُطلق على غير العالمين وغير العاقلين؛ ذلك لأن أغلبَ الأشياء الموجودة في الكون ليس لها عِلْم أو معرفة؛ ولذلك قال تعالى في آية أخرى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا..}[الأحزاب: 72].
    ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: {وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} [النحل: 49].
    أي: أن الملائكة الذين هم أعلى شيء في خَلْق الله لا يستكبرون؛ لأن علوّهم في الخَلْق من نورانية وكذا وكذا لا يعطيهم إدلالاً على خالقهم سبحانه؛ لأن الذي أعطاهم هذا التكريم هو الله سبحانه وتعالى.
    وما دام الله هو الذي أعطاهم هذا التكريم فلا يجوز الإدلال به؛ لأن الذي يُدِلُّ إنما يُدِلُّ بالذاتيات غير الموهوبة، أما الشيء الموهوب من الغير فلاَ يجوز أن تُدِلَّ به على مَنْ وهبه لك.
    لذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ الملائكة المقربون..} [النساء: 172].
    فلن يمتنعوا عن عبادة الله والسجود له رغم أن الله كرَّمهم ورفعهم.
    ثم يقول تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ..}.
    تفسير وخواطر الشعراوى لسورة النحل وبالتجويد الصفحة (272).تفسير الآية رقم (50):

    {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50)}
    ما هو الخوف؟ الخوف هو الفزع والوجَلَ، والخوف والفزع والوجل لا يكون إلا من ترقب شيء من أعلى منك لا تقدر أنت على رَفْعه، ولو أمكنك رَفْعه لما كان هناك داعٍٍ للخوف منه؛ لذلك فالأمور التي تدخل في مقدوراتك لا تخاف منها، تقول: إنْ حصل كذا افعل كذا.. إلخ.
    وإذا كان الملائكة الكرام: {لاَّ يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].
    فما داعي الخوف إذن؟ نقول: إن الخوف قد يكون من تقصير حدث منك تخاف عاقبته، وقد يكون الخوف عن مهابة للمخُوف وإجلاله وتعظيمه دون ذنب ودون تقصير، ولذلك نجد الشاعر العربي يقول في تبرير هذا الخوف:
    أَهَابُكَ إِجْلاَلاً ومَا بِكَ قُدْرة ** عليَّ ولكِنْ مِلْءُ عَيْنٍ حَبِيبُها

    إذن: مرّة يأتي الخوف لتوقُّع أذى لتقصير منك، ومرَّة يأتي لمجرد المهابة والإجلال والتعظيم.
    وقوله تعالى: {مِّن فَوْقِهِمْ} [النحل: 50].
    ما المراد بالفوْقية هنا؟ نحن نعرف أن الجهات ستّ: فوق، وتحت، ويمين، وشمال، وأمام، وخلف.. بقيتْ جهة الفَوقْية لتكون هي المسيطرة؛ ولذلك حتى في بناء الحصون يُشيّدونها على الأماكن العالية لتتحكم بعلُوّها في متابعة جميع الجهات.
    إذن: فالفوقية هي محلّ العُلو، وهذه الفوقية قد تكون فوقية مكان، أو فوقية مكانة.
    فالذي يقول: إنها فوقية مكان، يرى أن الله في السماء، بدليل أن الجارية التي سُئِلت: أين الله؟ أشارتْ إلى السماء، وقالت: في السماء.
    فأشارت إلى جهة العُلُو؛ لأنه لا يصح أن نقول: إن الله تحت، فالله سبحانه مُنزَّه عن المكان، وما نُزِّه عن المكان نُزِّه عن الزمان، فالله عز وجل مُنزَّه عن أنْ تُحيّزه، لا بمكان ولا بزمان؛ لأن المكان والزمان به خُلِقاً.. فمَن الذي خلق الزمان والمكان؟
    إذن: ما داما به خُلِقاً فهو سبحانه مُنزَّه عن الزمان والمكان.
    وهم قالوا بأن الفوقية هنا فوقية حقيقية.. فوقية مكان، أي: أنه تعالى أعلى مِنّا.. ونقول لمن يقول بهذه الفوقية: الله أَعْلى مِنّا.. من أيّ ناحية؟ من هذه أم من هذه؟
    إذن: الفوقية هنا فوقية مكانة، بدليل أننا نرى الحرس الذين يحرسون القصور ويحرسون الحصون يكون الحارس أعلى من المحروس.. فوقه، فهو فوقه مكاناً، إنما هل هو فوقه مكانة؟ بالطبع لا.
    وقوله تعالى: {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 50].
    وهذه هي الطاعة، وهي أن تفعلَ ما أُمِرتْ به، وأنْ تجتنبَ ما نُهيتَ عنه، ولكن الآية هنا ذكرت جانباً واحداً من الطاعة، وهو: {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 50].
    ولم تقُلْ الآية مثلاً: ويجتنبون ما ينهوْنَ عنه، لماذا؟.. نقول: لأن في الآية ما يسمونه بالتلازم المنطقي، والمراد بالتلازم المنطقي أن كلَّ نهي عن شيء فيه أمر بما يقابله، فكل نهي يؤول إلى أمر بمقابله.
    فقوله سبحانه: {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 50].
    تستلزم منطقياً (ويجتنبون ما يُنهَوْن عنه) وكأن الآية جمعت الجانبين.
    والحق سبحانه وتعالى خلق الملائكة لا عمل لهم إلا أنهم هُيِّموا في ذات الله، ومنهم ملائكة مُوكّلون بالخلق، وهم: {فالمدبرات أَمْراً} [النازعات: 5].
    ويقول تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله..} [الرعد: 11].
    ومنهم: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ} [الانفطار: 10-11].
    إذن: فهناك ملائكة لها علاقة بِنَا، وهم الذين أمرهم الحق سبحانه أن يسجدوا لآدم حينما خلقه الله، وصوَّره بيده، ونفخ فيه من رُوحه.. وكأن الله سبحانه يقول لهم: هذا هو الإنسان الذي ستكونون في خدمته، فالسجود له بأمر الله إعلانٌ بأنهم يحفظونه من أمر الله، ويكتبون له كذا، ويعملون له كذا، ويُدبِّرون له الأمور.. إلخ.
    أما الملائكة الذين لا علاقة لهم بالإنسان، ولا يدرون به، ولا يعرفون عنه شيئاً، هؤلاء المعْنِيون في قوله سبحانه لإبليس: {أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العالين} [ص: 75].
    أي: أستكبرتَ أنْ تسجدَ؟ أم كنتَ من الصِّنْف الملَكي العالي؟.. هذا الصنف من الملائكة ليس لهم علاقة بالإنسان، وكُلُّ مهمتهم التسبيح والذكْر، وهم المعنيون بقوله تعالى: {يُسَبِّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 20].
    كلُّ شيء إذن في الوجود خاضع لمرادات الحق سبحانه منه، إلا ما استثنى الله فيه الإنسان بالاختيار، فالله سبحانه لم يقهر أحداً، لا الإنسان ولا الكون الذي يعيش فيه، فقد عرض الله سبحانه الأمانة على السموات والأرض والجبال، فأبيْنَ أن يحملنها وأشفقْنَ منها.. وكأنها قالت: لا نريد أن نكون مختارين، بل نريد أن نكون مُسخَّرين، ولا دَخْلَ لنا في موضوع الأمانة والتكليف!!
    لماذا إذن يأبى الكون بسمائه وأرضه تحمُّل هذه المسئولية؟
    نقول: لأن هناك فَرْقاً بين تقبُّل الشيء وقت تحمُّله، والقدرة على الشيء وقت أدائه.. هناك فَرْق.. عندنا تحمُّل وعندنا أداء.. وقد سبق أنْ ضربنا مثلاً لتحمُّل الأمانة وقُلْنا: هَبْ أن إنساناً أراد أن يُودع عندك مبلغاً من المال مخافة تبديده لتحفظه له لحين الحاجة إليه، وأنت في هذا الوقت قادر على التحمل وتنوي أداء أمانته إليه عند طلبها وذمَّتك قوية، ونيتك صادقة.
    وهذا وقت تحمُّل الأمانة، فإذا ما جاء وقت الأداء، فربما تضطرك الظروف إلى إنفاق هذا المال، أو يعرض لك عارضٌ يمنعك من الأداء أو تتغيّر ذمتك.
    إذن: وقت الأداء شيء آخر.
    لذلك، فالذي يريد أنْ يُبريء ذمته لا يضمن وقت الأداء ويمتنع عن تحمُّل الأمانة ويقول لنفسه: لا، إن كنت أضمن نفسي وقت التحمل فلا أضمن نفسي وقت الأداء.
    هذا مثال لما حدثَ من السماء والأرض والجبال حينما رفضت تحمُّل الأمانة، ذلك لأنها تُقدّر مسئوليتها وثقلها وعدم ضمان القيام بحقها، لذلك رفضت تحمُّلها من بداية الأمر.
    وكذلك يجب أن يكون الإنسان عاقلاً عند تحمُّل الأمانات؛ ولذلك يقول تعالى: {وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}[الأحزاب: 72].
    ما الذي جهله الإنسان؟ جهل تقدير حالة وقت أداء الأمانة، فظلم نفسه، ولو أنه خرج من باب الجمال كما يقولون لَقالَ: يا ربِّ اجعلني مثل السماء والأرض والجبال، وما تُجريه عليَّ، فأنا طَوْع أمرك.
    ولذلك، فمن عباد الله مَنْ قَبِل الاختيار وتحمَّل التكليف، ولكنه خرج عن اختياره ومراده لمراد ربِّه وخالقه، فقال: يا رب أنت خلقْتَ فينا اختياراً، ونحن به قادرون أن نفعل أو لا نفعل، ولكنَّا تنازلنا عن اختيارنا لاختيارك، وعن مرادنا لمرادك، ونحن طَوْع أمرك.. هؤلاء هم عباد الله الذين استحقوا هذه النسبة إليه سبحانه وتعالى.
    إذن: هناك فَرْق بين مَنْ يفعل اختياراً مع قدرته على ألاَّ يفعل، وبين مَنْ يفعل بالقهر والتسخير.. فالأول مع أنه قادر ألاَّ يفعل، فقد غلَّب مُراد ربِّه في التكليف على مراد نفسه في الاختيار.
    ثم ينتقل الحق تبارك وتعالى إلى قمة القضايا العقدية بالنسبة للإنسان، فيقول تعالى: {وَقَالَ الله لاَ تَتَّخِذُواْ...}.
    تفسير وخواطر الشعراوى لسورة النحل وبالتجويد الصفحة (272).تفسير الآية رقم (51):

    {وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51)}
    وقد جاء النهي في الآية نتيجة خروج الإنسان عن مُراد ربِّه سبحانه، فالعجيب أن البشر والجن أيضاً يعني الثقلين هم المختارون في الكون كله، اختيار في أشياء وقَهْر في أشياء أخرى.. ومع ذلك لم يشذّ من خَلْق الله غيرهما.
    فالسموات والأرض والجبال كان لها اختيار، وقد اختارت التسخير، وانتهت المسألة في بداية الأمر، ومع ذلك فهي مُسخَّرة وتُؤدِّي مهمتها لخدمة الإنسان، فالشمس لم تعترض يوماً ولم ترفض.. فهي تشرق على المؤمن كما تشرق على الكافر.. وكذلك الهواء والأرض والدابة الحلوب، وكل ما في كون الله مُسخَّر للجميع.. إذن: كل هذه الأشياء لها مهمة، وتؤدي مُهمتها على أكمل وجه.
    ولذلك يقول تعالى في حقِّ هذه الأشياء: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدوآب...} [الحج: 18].
    هكذا بالإجماع، لا يتخلّف منها شئ عن مُراد ربه.
    فما الحال في الإنسان؟ يقول تعالى: {وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس} [الحج: 18].
    ولم يَقُلْ: والناس. ثم قال: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب} [الحج: 18].
    هذا هو الحال في الإنسان المكرّم الذي اختاره الله وترك له الاختيار.. إنما كل الأجناس مُؤدّيه واجبها؛ لأنها أخذتْ حظّها من الاختيار الأول، فاختارت أن تكون مُسخَّرة، وأن تكون مقهورة.
    فالإنسان.. واحد يقول: لا إلهَ في الوجود.. العالم خُلِق هكذا بطبيعته، وآخر يقول: بل هناك آلهة متعددة؛ لأن العالم به مصالح كثيرة وأشياء لا ينهض بها إله واحد.. يعني: إله للسماء، وإله للأرض، وإله للشمس.. إلخ.
    إذن: هذا رأي في العالم أشياء كثيرة بحيث لا ينهض بها في نظره إله واحد، ونقول له: أنت أخذتَ قدرة الإله من قدرة الفردية فيك.. لا.. خُذها من قدرة من: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11].
    لأن القدرة الإلهية لا تعالج الأشياء كما تفعل أنت، وتحتاج إلى مجهود وعمل.. بل في حقّه تعالى يتم هذا كله بكلمة كُنْ.. كُنْ كذا وانتهت المسألة.
    ونعجب من تناقض هؤلاء، واحد يقول: الكون خُلِق هكذا لحاله دون إله. والآخر يقول: بل له آلهة متعددة.. نقول لهم: أنتم متناقضون، فتعالَوْا إلى دين الله، وإلى الوسطية التي تقول بإله واحد، لا تنفي الألوهية ولا تثبت التعددية.
    فإنْ كنتَ تظنُّ أن دولابَ الكون يقتضي أجهزة كثيرة لإدارته، فاعلم أن الله تعالى لا يباشر تدبير أمر الكون بعلاج.. يفعل هذه ويفعل هذه، كما يُزاول البشر أعمالهم، بل يفعلها ب (كُنْ)؛ ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يقول في الحديث القدسي: (يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وحيَّكم وميتكم، ورطبكم ويابسكم اجتمعوا في صعيد واحد، فسأل كل إنسان منكم ما بلغت أمنيته، فأعطيت كل سائل منكم ما سأل ما نقص ذلك من مُلْكي إلا كما لو أن أحدكم مر بالبحر فغمس فيه إبرة ثم رفعها إليه، ذلك بأنِّي جواد ماجد، افعل ما أريد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري بشيء إذا أردته أن أقول له كن فيكون).
    فيا مَنْ تُشفْق على الإله الواحد أن يتعبَ من إدارته للكون بشتى نواحيه، ارتفع بمستوى الألوهية عن أمثال البشر؛ لأن الله تعالى لا يباشر سلطانه علاجاً في الكون، وإنما يباشره بكلمة (كُنْ).
    إذن: إله واحد يكفي، وما دُمْنا سلَّمنا بإله واحد، فإياك أن تقول بتعدُّد الآلهة.. وإذا كان الحق تبارك وتعالى نفى إلهين اثنين، فنَفْي ما هو أكثر من ذلك أَوْلَى.. واثنان أقل صُور التعدد.
    ومعنى {إلهين} أي: معبودين، فيكون لهما أوامر ونواه، والأوامر والنواهي تحتاج إلى طاعة، والكون يحتاج إلى تدبير، فأيُّ الإلهين يقوم بتدبير أمور الكون؟ أم أنه يحتاج إلى مُسَاعد؟ إنْ كان يحتاج إلى مساعد فهذا نقْص فيه، ولا يصلح أن يكون إلهاً.
    وكذلك إنْ تخصَّص كُلٌّ منهما في عمل ما، هذا لكذا وهذا لكذا، فقد أصبح أحدهما عاجزاً فيما يقوم به الآخر.. وأي ناحية إذن من نواحي الحياة تكون هي المسيطرة؟ ومعلوم أن نواحي الحياة مشتركة ومتشابكة.
    ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ...}[المؤمنون: 91].
    وقال: {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22].
    فكيف الحال إذا أراد الأول شيئاً، وأراد الآخر ألاَّ يكون هذا الشيء؟ فإنْ كان الشيء كان عجزاً في الثاني، وإن لم يكُن كان عجزاً في الأول.. إذن: فقوة أحدهما عَجْز في الآخر.
    ونلحظ في قوله تعالى: {وَقَالَ الله لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين} [النحل: 51].
    عظة بليغة، كأنه سبحانه حينما دعانا إلى توحيده يقول لنا: أريحوا أنفسكم بالتوحيد، وقد أوضح الحق سبحانه وتعالى هذه الراحة في قوله: {ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الحمد للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الزمر: 29].
    يعني رجل خُلِّص لسيد واحد، ورجل أسياده كثيرون، وهم شركاء مختلفون، فإنْ أرضى هذا أغضب ذاك، وإن احتاجه أحدهما تنازعه الآخر. فهو دائماً مُتْعبٌ مُثقَلٌ، أما المملوك لسيد واحد فلا يخفي ما فيه من راحة.
    ففي أمره سبحانه بتوحيده راحةٌ لنا، وكأنه سبحانه يقول: لكم وِجْهة واحدة تكفيكم كُلَّ الجهات، وتضمن لكم أن الرضا واحد، وأن البُغْض واحد.
    إذن: فطلبُه سبحانه راحةٌ لنا؛ لذلك قبل أن يطلبها مِنّا شهد بها لذاته تعالى، فقال: {شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ} [آل عمران: 18].
    فلو قال معترض: كيف يشهد لذاته؟ نقول: نعم، يشهد لذاته سبحانه؛ لأنه لا أحدَ غيره.. لا أحد معه، فشهادة الذات للذات هنا شيء طبيعي.. وكأنه سبحانه يقول: لا أحدَ غيري، وإنْ كان هناك إله غيري فَلْيُرني نفسه، وليُفصِح عن وجوده.
    أنا الله خلقت الكون وأخذته وفعلتُ كذا وكذا، فإما أنْ أكون صادقاً فيما قلت وتنتهي المسألة، وإما أنْ أكون غير صادق، وهناك إله آخر هو الذي خلق.. فأين هو؟ لماذا لا يعارضني؟
    وهذا لم يحدث ولم ينازع الله في خَلْقه أحد، وحين تأتي الدعوى بلا معاند ولا معارض تَسْلَم لصاحبها.
    فإنْ قال قائل: لعل الآلهة الأخرى لم تَدْرِ بأن أحداً قد أخذ منهم الألوهية، فإنْ كان الأمر كذلك فهم لا يصلُحون للألوهية لعدم درايتهم، وإنْ دَرَوْا ولم يعارضوا فهُمْ جُبناء لا يستحقون هذه المكانة.
    وبشهادته سبحانه لذاته بأنه لا إله إلا هو أقبل على خَلْق الخَلْق؛ لأنه مادام يعرف أنه لا إله غيره، فإذا قال: (كن) فهو واثق أنه سيكون.
    ولذلك ساعة يحكم الله حُكْماً غيبياً يقول: أنا حكمت هذا الحكم مع أنكم مختارون في أنْ تفعلوا أو لا تفعلوا، ولكني حكمتُ بأنكم لا تفعلون، وما دُمْتُ حكمت بأنكم لا تفعلون ولكم قدرة أن تفعلوا، ولكن ما فعلتم، فهذا دليل على أنه لا إله غيري يُعينكم على أنْ تفعلوا.

    ثم شهدتْ الملائكة على شهادة الذات، وشهد أولو العلم شهادةَ الاستدلال، كما قال تعالى: {شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم..} [آل عمران: 18].
    لنا هنا وَقْفة مع قوله تعالى: {إلهين اثنين...} [النحل: 51].
    فعندنا العدد، وعندنا المعدود، فإذا قُلْنا مثلاً: قابلت ثلاثة رجال، فكلمة (ثلاثة) دلتْ على العدد، وكلمة (رجال) دلَّتْ على جنس المعدود، وهكذا في جميع الأعداد ما عدا المفرد والمثنى، فلفظ كل منهما يدل على العدد والمعدود معاً.
    كما لو قلت: إله. فقد دلَّتْ على الوحدة، ودلتْ على الجنس، وكذلك (إلهين) دلَّتْ على المثنى وعلى جنس المعدود.
    ولذلك كان يكفي في الآية الكريمة أن يقول تعالى: لا تتخذوا إلهين؛ لأنها دلَّتْ على العدد وعلى المعدود معاً، ولكن الحق تبارك وتعالى أراد هذا تأكيداً للأمر العقديّ لأهميته.
    ومن أساليب العرب إذا أحبُّوا تأكيد الكلام أن يأتوا بعده بالمراد. فيقولون: فلان قسيم وسيم، وفلان حَسن بَسَن، وفلان شيطان ليطان، يريدون تأكيد الصفة.. وكذلك في قوله: {إلهين} فقط تثبت الألوهية، ولتأكيد هذه القضية العقدية لأنها أهمّ القضايا بالنسبة للإنسان، وهي قضية القمة، فقال تعالى: {إلهين اثنين} [النحل: 51].
    وكذلك أيضاً في قوله: {إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ} [النحل: 51].
    فجاء بقوله تعالى: {وَاحِدٌ} لتأكيد وحدانية الله تعالى.
    وفي الآية مَلْحظ آخر يجب تأمّله، وهو أن الكلام هنا في حالة الغيبة: {إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ} [النحل: 51].
    فكان القياس في اللغة هنا أن يقول: (فإياه فارهبون).
    ولكن وراء تحويل السياق من الغيبة إلى المجابهة للمتكلم قال: {فَإيَّايَ فارهبون} [النحل: 51].
    وهذا وراءه حكمة، ومَلْحظ بلاغي، فبعد أنْ أكَّد الألوهية بقوله تعالى: {إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ} [النحل: 51].
    صَحَّ أنْ يُجابِهَهم بذاته؛ لأن المسألة ما دامتْ مسألة رَهْبة، فالرهبة من المتكلم خير من الرهبة من الغائب.. وكأن السياق يقول: ها هو سبحانه أمامك، وهذا أَدْعى للرهْبة.
    وكذلك في فاتحة الكتاب نقرأ: {الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين الرحمن الرحيم مالك يَوْمِ الدين} [الفاتحة: 2-4].
    ولم يَقُلْ: إياه نعبد، متابعة للغيبة، بل تحوَّل إلى ضمير الخطاب فقال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5].
    ذلك لأن العبد بعد أن استحضر صفة الجلال والعظمة أصبح أَهْلاً للمواجهة والخطاب المباشر مع الله عز وجل.
    فقوله: {فَإيَّايَ فارهبون} [النحل: 51].
    بعد ما استحضر العبد عظمة ربه، وأقرّ له بالوحدانية وعَلِم أنه إله واحد، وليس إلهين. واحد يقول: نُعذّبه. والآخر يقول: لا.
    ليس الأمر كذلك، بل إله واحد بيده أنْ يُعذّب، وبيده أنْ يعفو، فناسب السياق هنا أنْ يُواجههم فيقول: {فَإيَّايَ فارهبون}[النحل: 51].
    ثم يقول تعالى: {وَلَهُ مَا فِي السماوات والأرض...}.

    .تفسير الآية رقم (52):

    {وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52)}
    عندنا هنا اللام.. وقد تكون(اللام) للمِلْك كما في الآية. وكما في: المال لزيد، وقد تكون للتخصيص إذا دخلتْ اللام على ما لا يملك، كما نقول: اللجام للفرس، والمفتاح للباب، فالفرس لا يملك اللجام، والباب لا يملك المفتاح. فهذه للتخصيص.
    والحق سبحانه يقول هنا: {وَلَهُ مَا فِي السماوات والأرض...} [النحل: 52].
    وفي موضع آخر يقول: {لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} [يونس: 68].
    وكذلك في: {يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السماوات والأرض} [الحشر: 24].
    ومرة يقول: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} [الجمعة: 1].
    حينما تكون اللام للملكية قد يكون المملوك مختلفاً ففي قوله: {مَا فِي السماوات والأرض...} [النحل: 52].
    يعني: القدر المشترك الموجود فيهما. أي: الأشياء الموجودة في السماء وفي الأرض.
    أما في قوله: {مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض} [يونس: 68].
    أي: الأشياء الموجودة في السماء وليست في الأرض، والأشياء الموجودة في الأرض وليست في السماء، أي: المخصَّص للسماء والمخصَّص للأرض، وهذا ما يُسمُّونه استيعاب الملكية.
    وما دام سبحانه له ما في السموات وما في الأرض، فليس لأحد غيره مِلْكية مستقلة، وما دام ليس لأحد غيره ملكية مستقلة. إذن: فليس له ذاتية وجود؛ لأن وجوده الأول موهوبٌ له، وما به قيام وجوده موهوب له.. ولذلك يقولون: مَنْ أراد أن يعاند في الألوهية يجب أن تكون له ذاتية وجود.. وليست هذه إلا لله تعالى.
    ونضرب لذلك مثلاً بالولد الصغير الذي يعاند أباه، وهو ما يزال عَالةً عليه. فيقول له: انتظر إلى أن تكبر وتستقلّ بأمرك.. فإذا ما شَبَّ الولد وبلغ وبدأ في الكَسْب أمكن له الاعتماد على نفسه، والاستغناء عن أبيه.
    لذلك نقول لمن يعاند في الألوهية: أنت لا تقدر؛ لأن وجودك هِبَة، وقيام وجودك هِبَة، كل شيء يمكن أنْ يُنزع منك.
    ولذلك، فالحق سبحانه وتعالى يُنبِّهنا إلى هذه المسألة في قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّآهُ استغنى} [العلق: 6-7].
    فهذا الذي رأى نفسه استغنى عن غيره من وجهة نظره إنما هل استغنى حقاً؟.. لا. لم يستغن، بدليل أنه لا يستطيع أنْ يحتفظَ بما يملك.
    قوله تعالى: {وَلَهُ مَا فِي السماوات والأرض...} [النحل: 52].
    الذي له ما في السموات والأرض، وبه قيام وجوده بقيوميته، فهو سبحانه يُطمئِنك ويقول لك: أنا قيُّوم يعني: قائم على أمرك.. ليس قائماً فقط.. بل قيُّوم بالمبالغة في الفِعْل، وما دام هو سبحانه القائم على أمرك إيجاداً من عَدَم، وإمداداً من عُدم. إذن: يجب أن تكون طاعتُك له سبحانه لا لغيره.
    وفي الأمثال يقولون (اللي ياكل لقمتي يسمع كلمتي) فإذا كنتَ أنت عالة في الوجود.
    وجودك من الله، وإمدادك من الله، وإبقاء مُقوِّمات حياتك من الله؛ لذلك قال تعالى: {وَلَهُ الدين وَاصِباً} [النحل: 52].
    أي: هذه نتيجة؛ لأن لله ما في السموات والأرض، فَلَه الدين واصباً، أي: له الطاعة والخضوع دائماً مستمراً، ومُلْك الله دائم، وهو سبحانه لا يُسلم مُلْكَه لأحد، ولا تزال يد الله في مُلْكه.. وما دام الأمر هكذا فالحق سبحانه يسألهم: {أَفَغَيْرَ الله تَتَّقُونَ} [النحل: 52].
    والهمزة هنا استفهام للإنكار والتوبيخ، فلا يجوز أنْ تتقيَ غير الله، لأنه حُمْق لا يليق بك، وقد علمتَ أن لله ما في السموات وما في الأرض، وله الطاعة الدائمة والانقياد الدائم، وبه سبحانه قامت السموات والأرض ومنه سبحانه الإيجاد من عَدَم والإمداد من عُدم.
    إذن: فمن الحُمْق أنْ تتقي غيره، وهو أَوْلى بالتقوى، فإنِ اتقيتُم غيره فذلك حُمْق في التصرّف يؤدّي إلى العطَب والهلاك، إنِ اغتررتم بأن الله تعالى أعطاكم نِعَماً لا تُعَدُّ ولا تُحصَى.
    ومن نعم الله أن يضمن لعباده سلامة الملكَات وما حولها، فلو سَلِم العقل مثلاً سَلِمت وصَحَّتْ الأمور التي تتعلق به، فيصحّ النظام، وتصحّ التصَرُّفات، ويصحّ الاقتصاد.. وهذه نعمة.
    فالنعمة تكون للقلب وتكون للقالب، فللقالب المتعة المادية، وللقلب المتعة المعنوية.. وأهم المتَع المعنوية التي تريح القالب أن يكون للإنسان دينٌ يُوجّهه.. أن يكون له ربٌّ قادر، لا يُعجِزه شيء، فإنْ ضاقتْ به الدنيا، وضاقتْ به الأسباب فإن له رباً يَلجأ إليه فيُسعفه ويكيفه، وهذه هي الراحة الحقيقة.
    وقد ضمن لنا الحق سبحانه وتعالى سلامة القالب بما أودع في الكون من مُقوِّمات الحياة في قوله: {وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا..} [فصلت: 10].
    أي: اطمئنوا إلى هذا الأمر، فالله سبحانه لا يريد منكم إلا أنْ تُعمِلوا عقولكم المخلوقة لله لِتُفكِّروا في المادة المخلوقة لله، وتنفعلوا لها بالطاقة المخلوقة لله في جوارحكم، وسوف تجدون كلَّ شيء مُيسَّراً لكم.. فالله تعالى ما أراد منكم أنْ تُوجِدوا رزقاً، وإنما أراد أن تُعمِلوا العقل، وتتفاعلوا مع مُعْطيات الكون.
    ولكن كيف يتفاعل الإنسان في الحياة؟
    هناك أشياء في الوجود خلقها الله سبحانه برحمته وفضله، فهي تفعل لك وإنْ لم تطلب منها أن تفعل، فأنت لا تطلب من الشمس أنْ تطلُع عليك، ولا من الهواء أنْ يَهُبَّ عليك.. إلخ.
    وهناك أشياء أخرى تفعل لك إنْ طلبتَ منها، وتفاعلتَ معها، كالأرض إنْ فعلتَ بيدك فحرثْتَ وزرعْتَ ورويْتَ تعطيك ما تريد.
    وفي هذا المجال من التفاعل يتفاضل الناس، لا يتفاضلون فيما يُفعل لهم دون انفعال منهم.. لا بل ارتقاء الناس وتفاضُلهم يكون بالأشياء التي تنفعل لهم إنْ فعلوا.. أما الأخرى فتَفعل لكل الناس، فالشمس والهواء والمياه للجميع، للمؤمن وللكافر في أيّ مكان.
    إذن: يترقَّى الإنسان بالأشياء التي خلقها الله له، فإذا انفعل معها انفعلتْ له، وإذا تكاسل وتخاذل لم تُعْطِه شيئاً، ولا يستفيد منها بشيء.. ولذلك قد يقول قائل: الكافر عنده كذا وكذا، ويملك كذا وكذا، وهو كافر.. ويتعجّب من القدر الذي أَعطَى هذا، وحرَم المؤمن الموحد منه.
    نقول له: نعم أخذ ما أخذ؛ لأنه يشترك معك فيما يُفعل لك وإنْ لم تطلب، ويزيد عليك أنه يعمل ويكدّ وينفعل مع الكون وما أعطاه الله من مُقوِّمات وطاقة، فتنفعل معه وتعطيه، في حين أنك قاعد لا هِمَّة لك.
    وكذلك قد يتسامى الارتقاء في الإنسان، فيجعل الشيء الذي يُفعل له دون أن يطلب منه أي: الشيء المسخَّر له يجعله ينفعل له، كما نرى فيما توصَّل إليه العلم من استخدام الطاقة الشمسية مثلاً في تسخين المياه.. هذه الطاقة مُسخَّرة لنا دون جَهْد مِنّا، ولكن ترقِّي الإنسان وطموحه أوصله إلى هذا الارتقاء.. وكُلُّ هذه نِعَم من الله؛ ولذلك قال تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ...}.
    .تفسير الآية رقم (53):

    {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53)}
    أمدَّنا الله سبحانه بهذه النعم رحمة منه وفضلاً.. نِعَم تترى لا تُعَد ولا تُحْصَى، ولكن لرتابة النعمة وحلولها في وقتَها يتعوّدها الإنسان، ثم يذهل عن المنعم سبحانه.
    ونستطيع أن نضرب لذلك مثلاً بالولد الذي تعطيه مصروفه مثلاً كل أول شهر، تجده لا يحرص على أنْ يلقاك بعد ذلك إلا كل أول شهر، إنما إذا عوَّدته أن يأخذ مصروفه كل يوم تراه في الصباح يحوم حولك، ويُظهِر لك نفسه ليُذكِّرك بالمعلوم.
    إذن: رتابة النعمة قد تُذهِلك عن المُنعِم، فلا تتذكره إلا حين الحاجة إليه؛ لذا يُنبِّهنا الحق تبارك وتعالى: إذا أعطيتُ لكم نعمة فإياكم أنْ تغتروا بها.. إياكم أن تُذهِلكم النعمة عن المنعم؛ لأنكم سوف تحكمون على أنفسكم أنه لا مُنعِم غيري، بدليل أنني إذا سلبْتُ النعمة منكم فلن تجدوا غيري تلجأون إليه فستقولون: يا ربّ يا ربّ.
    فأنت ستكون شاهداً على نفسك، لن تكذب عليها، فَلِمَنْ تتوجّه إذا أصابك فقر؟ ولمن تتوجَّه إذا أصابك مرض؟ لن تتوجّه إلا إلى الله تقول: يا رب.
    {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضر فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} [النحل: 53].
    فترة الضُّر التي تمرُّ بالإنسان هي التي تلفته إلى الله، والحاجة هي التي تُلجئه إلى المصدر الحقيقي للإمداد، فإذا كانت النعمة قد تُذهِله وتُنسِيه، فالضر يُذكِّره بربّه الذي يملك وحده كَشْف الضر عنه.
    ولذلك، فالناس أصحاب اليقين في الله تعالى ساعةَ أنْ يصيبهم ضُرٌّ، يقول: ذكَّرتني بك يا ربّ، يأخذها على أنها نعمة.. كأنها نجدة نجدتْه مما هو فيه من غفلة.. يا ربّ أنت ذكّرتني بك.. أنا كنتُ ناسياً ذاهلاً.. كنت في غفلة.
    وساعةَ أنْ يعودَ ويشعر بالتقصير يرفع الله عنه البلاء؛ وذلك يُرفع القضاء عن العبد إنْ رضي به وعلم أن فيه خيراً له.
    ولذلك، فالرسول صلى الله عليه وسلم يُنبّهنا لهذه الأحداث التي تصيبنا، فإياكم أن تستقبلوها بالجزع والفزع.. ولكن استقبلوها بالإيمان والرضا، واعلموا أن ربكم يغار عليكم، وهو بهذه الأحداث يلفتكم إليه قهراً عنكم؛ لكي تعودوا إليه وتلجأوا إليه.. لكي تقولوا يا رب.
    يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رب العزة في الحديث القدسي: (مِنْ عبادي مِنْ أحبهم فأنا أبتليهم ليقولوا يا رب...).
    ويقول تعالى في الآية الأخرى: {فلولا إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ...} [الأنعام: 43].
    أي: أنه سبحانه يريد منا إذا نزل بنا بلاء وبأس أنْ نتضرّع إليه سبحانه؛ لأن الضراعة إلى الله لَفْتة وتذكير به.. والنبي صلى الله عليه وسلم يُرشِدنا إلى هذه الحقيقة، فالمصاب الحقيقي ليس مَنْ نزل به ضُرٌّ أو أصابه بلاء.. لا.. بل المصاب الحقيقي مَنْ حُرِم الثواب.
    إذن: نقول لمن عنده نعمة: احذر أن تُنسيِك النعمة وتُذهلك عن المنعم، أما صاحب البلاء والضر، فسوف يردُّك هذا البلاء، ويُذكّرك هذا الضرّ بالله تعالى، ولن تجدَ غيره تلجأ إليه.
    فقوله تعالى: {فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} [النحل: 53].
    أي: تضْرَعون بصراخ وصوت عالٍ كخُوار البقر، لا يُسرّهِ أحد ولا يستحي منه أنْ يُفتضح أمره أمام مَنْ تكبّر عليهم.. ويا ليتكم حين ينتابكم مثل ذلك تعتبرون به وتتعِظُون، وتقولون في لحظة من اللحظات: سوف تلجئنا الأحداث إلى ربنا.. بل بالعكس حينما نكشف عنكم الضر سوف تعودون إلى ما كنتم عليه.
    ثم يقول الحق سبحانه: {ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضر....}.
    .تفسير الآية رقم (54):

    {ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54)}
    فمن الناس مَنْ إذا أصابه الله بضُرٍّ أو نزل به بأْسٌ تضرّع وصرخ ولجأ إلى الله ودعاه، وربما سالتْ دموعه، وأخذ يُصلّي ويقول: يا فلان ادْعُ لي الله وكذا وكذا.. فإذا ما كشف الله عنه ضُرَّه عاود الكَرّة من جديد؛ لذلك يقول تعالى في آية أخرى: {وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إلى ضُرٍّ مَّسَّهُ...} [يونس: 12].
    ومن لُطْف الأداء القرآني هنا أن يقول: {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} [النحل: 54].
    أي: جماعة منكم وليس كلكم، أما الباقي فيمكن أنْ يثبتُوا على الحق، ويعتبروا بما نزل بهم فلا يعودون.. فالناس إذن مختلفون في هذه القضية: فواحد يتضرّع ويلتفت إلى الله من ضُرٍّ واحد أصابه، وآخر يلتفت إلى الله من ضُرّيْن، وهكذا.
    وقد وجدنا في الأحداث التي مرَّتْ ببلادنا على أكابر القوم أحداثاً عظاماً تلفتهم إلى الله، فرأينا مَنْ لا يعرف طريق المسجد يُصلّي، ومَنْ لا يفكر في حج بيت الله، ويسرع إليه ويطوف به ويبكى هناك عند الملتزم، وما ألجأهم إلى الله ولفتهم إليه سبحانه إلا ما مرَّت بهم من أحداث.
    أليست هذه الأحداث، وهذه الأزمات والمصائب خيراً في حقهم؟.. بلى إنها خير.
    وأيضاً قد يُصاب الإنسان بمرض يُلِمّ به، وربما يطول عليه، فيذهب إلى الأطباء، ويدعو الله ويلجأ إليه، ويطلب من الناس الدعاء له بالشفاء، ويعمل كذا وكذا.. فإذا ما كشف الله عنه المرض وأَذِن له بالشفاء قال: أنا اخترتُ الطبيب الحاذق، الطبيب النافع، وعملتُ وعملتُ.. سبحان الله!
    لماذا لا تترك الأمر لله، وتُعفِي نفسك من هذه العملية؟
    وفي قوله تعالى: {ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضر عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} [النحل: 54].
    صمام أَمْن اجتماعي في الكون، يقول للناس: إياكم أن تأخذوا على غيركم حين تُقدمون إليهم جميلاً فيُنكرونه.. إياكم أنْ تكُّفوا عن عمل الجميل على غيركم؛ لأن هذا الإنكار للجميل قد فعلوه مع أعلى منكم، فعلوه مع الله سبحانه، فلا يُزهدك إنكارهم للجميل في فِعْله، بل تمسَّك به لتكون من أهله.
    والحق تبارك وتعالى يضرب لنا مثلاً لإنكار الجميل في قصة سيدنا موسى عليه السلام: {ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كالذين آذَوْاْ موسى فَبرَّأَهُ الله مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ الله وَجِيهاً} [الأحزاب: 69].
    فقد اتهمه قومه وقعدوا يقولون فيه كذباً وبُهْتاناً، فقال موسى: يا ربّ أسألك ألاَّ يُقَال فيَّ ما ليس فيَّ.. فقال تعالى لموسى: أنا لم افعل ذلك لنفسي، فكيف أفعلها لك؟
    ولماذا لم يفعلها الحق سبحانه لنفسه؟.. لم يفعلها الحق سبحانه لنفسه ليعطينا نحن أُسْوة في تحمُّل هذا الإنكار، فقد خلق الله الخَلْق ورزقهم ووَسِعهم، ومع ذلك كفروا به، ومع ذلك ما يزال الحق سبحانه خالقاً رازقاً واسعاً لهم.
    إذن: في الآية تقنين وأمان للمجتمع أن يتفشى فيه مرض الزُّهْد في عمل الخير.
    وقَوْل الحق سبحانه: {بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} [النحل: 54].
    تشمل الآية مَنْ أنكر الجميل من المؤمنين، ومن الكافرين.
    ولكن لماذا يشركون؟
    يقول الحق تبارك وتعالى: {لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ...}.

    وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَىَ وأَعْلَمُ
    دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانك اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتهمْ فِيهَا سَلَام وَآخِر دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللهُ أَكْبَرُ
    اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
    وأخيرًا أسأل الله أن يتقبلني انا وذريتى ووالداى واخواتى واهلى والمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات وامة محمد اجمعين صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الاحياء منهم والاموات شهيدًا في سبيله وأن يلحقناويسكنا الفردوس الاعلى من الجنة مع النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا أسألكم أن تسامحوني وتغفروا لي زلاتي وأخطــائي وأن يرضى الله عنا وترضــوا عنــا وتهتمــوا وأسال الله العظيم ان ينفع بمانقلت للمسلمين والمسلمات
    اللَّهُمَّ انصر واعز الاسلام والمسلمين واعلي بفضلك كلمتي الحق والدين
    سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
    آميــٍـِـِـٍـٍـٍنْ يـــآرّبْ العآلميــــن
    تفسير وخواطر الشعراوى لسورة النحل وبالتجويد الصفحة (272)



    المصدر : منتدي حلاوتهم - من قسم: القرآن الكريم




    رد مع اقتباس
    إنشاء موضوع جديد إضافة رد

    انتى الان تشاهدى موضوع : {} لموضوع الأصلي : {تفسير وخواطر الشعراوى لسورة النحل وبالتجويد الصفحة رقم (272)} ? من قسم : {القرآن الكريم}
    الكلمات الدليلة للموضوع: (272), مصورة, الشعراوي, الصفحة, النحل, تفسير, رقم, وبالتجويد, وخواطر

    أدوات الموضوع
    انواع عرض الموضوع

    الانتقال السريع
    المواضيع المتشابهه
    الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
    تفسير وخواطر الشعراوى لسورة النحل وبالتجويد الصفحة رقم (271) عطر الزهور القرآن الكريم 3 07-09-2017 06:47 PM
    تفسير وخواطر الشعراوى لسورة النحل وبالتجويد الصفحة رقم (281) عطر الزهور القرآن الكريم 0 09-06-2017 10:26 PM
    تفسير وخواطر الشعراوى لسورة النحل وبالتجويد الصفحة رقم (276) عطر الزهور القرآن الكريم 0 09-06-2017 10:16 PM
    تفسير وخواطر الشعراوى لسورة النحل وبالتجويد الصفحة رقم (270) عطر الزهور القرآن الكريم 0 09-06-2017 10:09 PM
    تفسير وخواطر الشعراوى لسورة النحل وبالتجويد الصفحة رقم (269) عطر الزهور القرآن الكريم 0 09-06-2017 10:07 PM


    جميع المشاركات تمثل وجهة نظر كاتبها وليس وجهة نظر الموقع

    Powered by vBulletin® Version 3.8.11
    Copyright ©2000 - 2022, vBulletin Solutions Inc.
    vBulletin Optimisation by vB Optimise (Reduced on this page: MySQL 8.33%).